Ismail Serageldin

Speeches


مؤتمر "نقض أسس التطرف ومقولاته"

 21/12/2015 | مؤتمر "نقض أسس التطرف ومقولاته"

خطاب الدكتور إسماعيل سراج الدين

مؤتمر "نقض أسس التطرف ومقولاته"

 

السيِّداتُ والسادةُ الأفاضل

جئنا من الإسكندريةِ الثغرِ الباسمِ على البحرِ المتوسطِ إلى رِباطِ الفتحِ، لكي نشاركَ في هذا الحَدَثِ الذي نراهُ مقدمةً لِسلسلةٍ من الفعاليات تُشكلُ في مُجْمَلِها شَراكةً إستراتيجية بين مكتبةِ الإسكندريةِ والرابطةِ المحمَّدية.

مقدمة:

إنَّ موضوعَ مؤتمرِنا "نقضُ أُسُسِ التطرفِ ومَقُولاتِه" لم يأتِ اختيارُه من فراغٍ، بل جاءَ تعبيراً عن إدراكٍ لخطرِ التطرفِ، فقد صارَ موضوعَ الساعةِ، يُلِحُّ علينا كلَّ يومٍ، ويُطِلُّ علينا في الإعلامِ والثقافةِ والمجتمعِ بوجهِهِ القبيحِ، من أيِّ موردٍ أتى هذا التطرفُ وهؤلاءِ المتطرفون؟ لماذا باتتْ مجتمعاتُنا تموجُ بالمتطرفينَ وتَنْضَحُ بخطاباتِ وممارساتِ التطرف؟فقد تصاعدتْ تياراتُ العنفِ باسمِ الإسلامِ، مرتكزةً على مقولاتٍ واجتهاداتٍ فكريةٍ فقدتْ صوابَها، ولم تجدْ ما يبررُها من سَندٍ في الدينِ أو الضميرِ أو العقلِ،والإسلامُ براءٌ منهم، ومن تطرفِهِم، ولا نوافقُ أبداً أن يحملَ هؤلاءِ اسمَهُ، أو ينتسبونَ إليهِ، ولا نقبلُ أن ينسُبَهم الآخرونَ إليه.

 

في حقيقة الإسلام الصحيح:

فالإسلامُ الذي أقرَّه المولى عزَّ وجلَّ، وبلَّغَهُ لنا رسولُنا الكريمُ هو الإسلامُ الوسطي كما يذكر سبحانه وتعالى في القرآن الكريم  "وكذلِكَ جعلناكُمْ أمةً وَسَطاً".

صور من سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين:

إن تاريخَ الإسلامِ شاهدٌ على أن المسلمينَ لم يُكرِهوا أحداً في أيِ فترةٍ من فتراتِ التاريخِ على تركِ دينِه، ولم يُعرَفْ في تاريخِ المسلمينَ الطويلِ أنهم ضيَّقوا على اليهودِ والنَّصارى أو غيرِهم أو أنهم أجبروا أحداً من أيِ طائفةٍ من الطوائفِ اليهوديةِ أو النصرانيةِ على اعتناقِ الإسلام .

لقد أقرَّ الإسلامُ لغيرِ المسلمينَ حقوقًا، وألزم أتباعَهُ القيامَ بها على أتمِّوجه، والناسُ في نظرِ الإسلامِ سَواسِيَة، وهُم أبناءُ العائلةِ الإنسانية، ويُوفِّر الإسلامُ لهم جميعًا الحقَّ في العيشِ والكرامةَ دونَ استثناءٍ أو تمييزٍ؛ قالَ تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾، وهذا الاختلافُ ليس مَدْعاةً للتنافرِ والتناكُر، بل هو سببٌ للتعارفِ والتعاضُدِ والتعاونِ على الخيرِ والبِرِّ والتقوى؛ كما تَحدَّث عنه القرآنُ الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾.

لقد قامت مبادئُ الإسلامِ وتعاليمُه وقِيَمُه كلُّها على احترامِ الكرامةِ الإنسانيةِ وصَوْنِها وحِفْظِها، وأمرَ الإسلامُ أتباعَه بالمحافظةِ على كرامةِ غيرِ المسلمين ومراعاةِ مشاعرِهِم، فقال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

وقد أوصَى رسولُ اللهِ أصحابَه بالقِبْطِ خيرًا؛ حِفاظًا على ذمَّتِهم ورَحِمِهِم، إذْيقول: "إذا فتحتُمْ مصرَ، فاستوصوا بالقِبْط خيرًا؛ فإنَّ لهم ذمَّةً ورَحِمًا".
ونهَى الإسلامُ عن قتلِ الأطفالِ والنساءِ والشيوخِ والعَجَزةِ وأهلِ الصوامعِ والبِيَعِ الذين لا اعتداءَ من ناحيتِهم ولا خطرَ من بقائِهم، فكان رسولُنا e إذا أرسلَ جيشاً أو سريةً يُوصِيهُم بالإحسانِ والتسامحِ والرحمةِ بالنساءِ والضعفاء.ففي الصحيحِ كان رسولُ اللّهِe إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سريةٍ، أوصاه في خاصّتِه بتقوى اللّهِ تعالَى ومَنْ معه من المسلمينَ خيراً، ثم قال: "اغزوا باسْمِ اللّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللّه، اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيداً .. ". وهكذا كان الخلفاءُ الراشدونَ من بعدِه،  فهذا أبو بكر وقد أوصَى جيشَ أُسامة فقال: (يا أيها الناسُ قِفوا أوصيكم بعشرٍ فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغدُروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تَعْقِروا نخلاً ولا تَحرِقوه، ولا تقطعوا شجرةُ مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرونَ بأقوامٍ قد فَرَغوا أنفسَهم في الصَّوامعِ فَدَعُوهم وما فرغوا أنفسَهم له. وسوف تَقْدِمون على قومٍ يأتونكم بآنيةٍ فيها ألوانُ الطعامِ فإذا أكلتم منها شيئاً فاذكروا اسمَ اللّهِ عليها).

ولما جاءَ وفدُ نَصَارى نَجران أنزلهم الرسولُe في المسجد، ولما حانَ وقتُ صلاتِهم تركَهم يصلون في المسجدِ فكانوا يصلون في جانبٍ منه، ولما حاوروا الرسولَe حاوَرَهم بسَعةِ صدرٍ ورَحابةِ فكرٍ وجادلَهم بالتي هي أحسن، ومع أنه أقامَ الحُجَّةَ عليهِم إلا أنه لم يُكرهْهُم على الدخولِ في الإسلامِ بلْ تركَ لهم الحريةَ في الاختيار، وقد أسلمَ بعضُهم بعدما رجِعوا إلى نجران.

وفي خلافةِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه كتبَ خالدُ بنُ الوليد رضي الله عنه في عَقدِ الذمةِ لأهلِ الحِيرة بالعراق- وكانوا من النصارى - : " وجعلتُ لهم أيُّما شيخٍ ضَعُفَ عن العمل، أو أصابتْه آفةٌ من الآفاتِ أو كان غنياً فافتَقرَ وصارَ أهلُ دينِه يتصدَّقون عليه، طُرِحَتْ جزيتُه وعِيلَ من بيتِ مالِ المسلمينَ هو وعيالُه".

وها هو عمرُ بنُ الخطابِ يكتبُ لأهلِ إيليا عهدًا: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطَى عبدُ اللهِ عمرُ أميرُ المؤمنينَ أهلَ إيليا من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسِهِم وأموالهِم، ولكنائسِهم وصُلبانِهم، وسقيمِها وبريئِها وسائرِ مِلَّتها، أنه لا تُسكَنُ كنائسُهم ولا تُهدَم، ولا يُنتَقصُ منها ولا من حيِّزِها، ولا من صليبِهم، ولا من شيءٍ من أموالهِم، ولا يُكرَهونَ على دينِهِم، ولا يُضارَّ أحدٌ منهم..."

الحضورُ الكريم:

إذا كانَ ما سَبَقَ ذكرُه هو حالُ الإسلامِ والمسلمينَ مع غيرِ المسلمين، فكيفَ يجدُرُ بأن يكونَ حالُ المسلمينَ مع بعضِهِم البعض.إنَّ التطرفَ بوصفِه غُلُوَّاً في الدينِ أو الفكرِ أو المذهبِ، ومجاوزةَ الاعتدالِ في الأمرِ، رَفضَه المسلمونَ الأوائلُ، وعلماؤُنا منذُ قرونٍ يَرَوْنَ في القولِ المخالفِ للشرع، والفعلِ المخالفِ للشرعِ تطرفًا، لأنه يُعَبِّرُ عن فَهْمٍ للنصوصِ الشرعيةِ بعيدٍ جدًا عن مقصودِ الشارعِ ورُوحِ الإسلام.

مقولات التطرف:

وإذا كان هذا هو دينُنا الحنيفُ، وهذه ثقافتُنا الإسلاميةُ التي تعلَّمناها، وتوارَثناها، واستقرَّتْ في أفئدتِنا، فمِنْ أينَ أتَى هؤلاءِ المتطرفون، وكيف لهم أن ينسُبوا أنفسَهم زُوراً إلى هذا الدينِ العظيم؟

تَمُوجُ المجتمعاتُ الإسلاميةُ اليومَ بالفكرِ التكفيريّ، ويُسرِفُ أصحابُه في  تضليلِ الناسِ وتكفيرِهم ويَستبيحون دماءَهم وأموالَهم، هؤلاءِ يقتلونَ المسلمينَ الأبرياءَ لمجردِ أنهم يُخالفونهم في الرأي ويتوعَّدونَ كلَّ مَنْ خالَفَهم في الدينِ بالإبادة، ويَتَناسَوْنَ بل ويَجحدون المبادئَ التي جاء بها الإسلامُ في توقيرِ التعددية، واحترامِ الاختلاف. فكرٌ متطرفٌ معادٍ للإسلامِ، والحضارةِ، ورافضٌ للإنسانيةِ، مُظلمُ المقصِدِ والمآل. ورغمَ كلِّ ذلك، فنحن على يقينٍ دوماً أن الفكرَ لا يُحارَبُ إلا بفكرٍ مثلِه، لذا فإنَّ إعادةَ بناءِ الفكرِ الإسلاميِ المعاصرِ وإحياءَ أدبِ المناظرةِ الذي ألَّف فيه الدكتور محمد أبو زهرة كتابًا رائعًا، جَرَى وَأْدُه، لأنه يؤكد أن الرأيُ والرأيُ الآخرُ والجدالُ للوصولِ لصحيحِ الدينِ أفضلَ طريق لفهم الدين بصورةٍ معاصرة، إن التعدديةَ في الرُّؤَى خاصةً مع اختلافِ البيئاتِ والمجتمعات، هي التي تقوم على دينٍ يُلَبِّي الاحتياجاتِ الإنسانية، هذا ما فَهِمَه الإمامُ الشافعي حين رَحَلَ من العراقِ ليستقرَّ في مصر، هذا ما استوعَبه كبارُ فُقهاءِ المالكيةِ والأحنافِ والشافعيةِ والحنابلة، فلماذا إذًا يسعى المتطرفون إلى تهميشِ هؤلاءِ الذين قَبِلوا الخلافَ المذهبيَّ على قاعدةِ احترامِ آراءِ العلماءِ واختلافِهِم واجتهادِهِم؟

هل لأنهم لا يَرَوْنَ إلا أحاديةَ الرأي؟.. نعم أحاديةُ الرأيِ والمذهبِ والفكر، وهي إحدى مقولاتِ التطرفِ والغُلُوّ... هذا ما يتعارضُ أيضًا مع بني النسيجِ الثقافيِ والاجتماعيِ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ التي تقومُ على قاعدةِ التنوعِ في إطارِ الوَحْدة، مِنْ هنا نستطيعُ أن نَعِيَ كيف صارت مقولةُ الزعيمِ المصريِ سعد زغلول "الدينُ للهِ والوطنُ للجميع" التي أطلقَها أثناءَ ثورة 1919 الضابطَ لإيقاعِ المجتمعِ المصريِ حتى ظهورِ العديدِ من تياراتِ العنفِ، التي صاغتْ تطرفَها بطابعٍ عقائديٍ أو اثني أو طائفيّ، فأثارتْ نَعَراتٍ وصراعاتٍ، وبَثَّتْ آراءَ رجعيةً انقساميةً لم تكنْ مجتمعاتُنا تعرفُها بهذه الصورةِ الحادة، حتى باتَ الصراعُ في سوريةَ حاليًا  مجسِّدًا لكلِ هذا، فهذا البلدُ العربيُّ، أحدُ ميادينِ الثقافةِ العربيةِ العريقة، صارَ ساحةً للعنفِ، والكراهيةِ، والقتلِ، والتشريدِ، تُهدِّدُه النعرةُ الطائفيةُ والإثنيةُ كلَّ يوم، والفُرقاءُ يتقاتلونَ حتى استُنفدتْ سورية سكانيًا إما بالقتلِ اليوميِ أو بالهجرة ... هجرةِ اللا عودة ... فمن يعوِّض سوريةَ- التعدديةَ، والثقافةَ، التاريخَ والفنونَ، عن خَسارتِها بعد أن تضعَ الحربُ أوزارَها؟ ومن يُعيدُ عقولهَا اليانعةَ المبدعةَ التي هَجَرتْها، ... مفكرينَ ومبدعينَ علماءَ ومِهْنِيِّين...الملايينُ خرجوا من سوريةَ أو قُتلوا..

وهذا ما حدثَ في العراقِ مع العربِ السُّنَّةِ منذُ العام 2003، فكمْ أستاذٍ جامعيٍ قُتلَ ومبدعٍ تمَّ تصفيتُه، وكم أسرةٍ شُرِّدَتْ، هذا ما صعَّدَ النعرةَ الطائفيةَ بصورةٍ صارخة، حتى هاجرَ آلافٌ بل ملايينُ العراقيينَ خارجَ بلدِهِم، وصارَ العراقُ بيئةً خَصبةً للتطرفِ يَعيثُ فيها كيفَما يشاء، وها هي التنظيماتُ المتطرفةُ تجدُ ظهيرًا من السكانِ المحليينَ نتيجةً لهذه النعراتِ المتطرفةِ التي قامت على وَأْدِ مبدأِ المواطَنة.

ولقد رافقَ تفريغَ المجتمعاتِ من سكانِها، وتحطيمَ منجزاتِها الثقافيةِ والتاريخية، ونشرَ الأحقادِ على الطُّرقاتِ في مدنِها وقُراها؛ تراجعٌ في الحياةِ المدنية، أو المجالِ العام، الذي يشهدُ مساحةَ الحركةِ التي يَتلاقَى فيها المواطنون على أساسٍ من التعاونِ والثقةِ والاحترامِ المتبادَل، الروابطُ التي تنشأُ بينَهم هي رأسُ مالِ المجتمعاتِ يستخدمُه في التنميةِ، وتحقيقِ الأمانِ، وبناءِ القدراتِ، وحَلِ الخلافاتِ، ونشرِ رُوحِ السَّكينةِ بينَ أبنائِه.

ضَعُفَتْ، وفي حالاتٍ كثيرةٍ تهاوَتْ، الحياةُ المدنيةُ في أرجاءِ الوطنِ العربيِ المبتَلَى بأمراضِ الشموليةِ، والعنفِ، والتطرفِ، وغيابِ الحريات.

ومن الأسئلةِ الملحَّةِ في هذا الصدد: أين تقفُ حدودُ الديني في مجالِ السياسة؟ وما هي حدودُ الدنيوي في الممارسةِ السلطوية؟

لا شكَّ أن الحديثَ عن التطرفِ الديني هو حديثٌ مزدوجٌ بطبيعتِه، حديثٌ في الدين، وحديثٌ في السياسة؛ حديثٌ في الدينِ لأنَّ المتطرفينَ يَنطلقون منه، وحديثٌ في السياسةِ لأن المتطرفين يُريدون الوصولَ إليها، لأنَّ تَصوّرَهم عن السياسةِ فرعٌ لتصورِهم عن الدين، وفي نطاقِ هذا التصورِ يحصُلُ النزاعُ بين أهلِ الوسَطيةِ وأهلِ الغلوِّ والتشدد.

الشباب والتطرف (الأسباب والعلاج):

إن سقوطَ شبابِنا في بَراثنِ الفكرِ المتطرفِ له أسبابُه التي يجبُ أن نَفْطِنَ لها، ونعملَ- أفراداً وجماعاتٍ ومجتمعاتٍ- على اقتلاعِها من جذورِها. فمِن ذلك ارتفاعُ نسبةِ الفقرِ في كثيرٍ من البُلدانِ العربيةِ والإسلاميةِ، وما يترتبُ على ذلك من زيادةِ نسبةِ البَطالة، وزيادةِ عددِ المتسربين من التعليمِ؛ بحثاً عن عملٍ يَقْتَاتونَ عليه.ومما يرتبطُ بالنقطةِ السابقةِ ارتفاعُ نسبةِ الأمية، وانتشارُ الجهلِ؛ ما يمثلُ تربةً خَصْبةً لانتشارِ الشائعاتِ والخرافاتِ التي هي وقودُ نارِ التطرفِ والغلو.

يُضافُ إلى ما سبقَ غيابُ العدالةِ الاجتماعيةِ في كثيرٍ من الدولِ، وارتباطُ هذا في كثيرٍ من الأحيانِ بغيابِ الديمقراطيةِ وحريةِ التعبيرِ؛ ما يُصيبُ أصحابَ العقلِ والرأيِ بالإحباطِ وسوءِ الظنِّ فيقعونَ فريسةً لمن يفتحُ لهم صدرَه ليستمعَ إليهِم.

ولا شكَّ أن ثورةَ الاتصالاتِ وانتشارَ آلافِ المحطاتِ الفضائيةِ التي تُبَثُّ من كلِ أنحاءِ العالمِ، أوجدَ فوضَى دينيةً في مجالِ الفتاوَى الفقهيةِ، ما أوجدَ سياقاً مناسباً لكلِّ صاحبِ فكرٍ متطرفٍ أن يُفتي ويدعو أصحابَه إلى إتباع فَتاواهُ بكلِ الطرقِ الممكنة، هذا ما استدعى دار الإفتاء المصرية إلى إنشاء مرصد للفتوى يجابه الفتاوى العشوائية، ويحجم تأثيرها.

وفي سبيلِ نقدِ الخطابِ الديني المعاصرِ، وَجَبَ علينا معالجةُ الآثارِ السلبيةِ التي وَرِثْنَاها من العقودِ السابقةِ للخُطَبِ الحماسيةِ التي تؤجِّجُ كراهيةَ الآخرِ المختلِفِ في الدينِ أو الفكرِ أو المذهبِ أو الأصولِ العِرقية. هذا الخطابُ الذي جعلَ شُركاءَ الوطنِ يتقاتلونَ وهم أبناءُ دينٍ واحدٍ ولغةٍ واحدةٍ وثقافةٍ مشتركة!!

إن ما ذكرتُه الآنَ من أسبابٍ لسقوطِ الشبابِ في شَرَكِ التطرفِ والغلو، خليقٌ بأن يجعلَنا نتكاتفُ من أجلِ الحفاظِ على حقيقةِ الإسلامِ الراقيةِ المنفتحةِ على الآخرِ، وأن يجعلَ الدولَ الأغنى تضعُ مساعدةَ الدولِ الفقيرةِ نُصْبَ أعينِها، عن طريقِ مشروعاتٍ تنمويةٍ تأخذُ بأيديهِم، وعن طريقِ دعمِ المؤسساتِ الثقافيةِ والمؤسساتِ الدَّعَوِيةِ الوَسَطية. وعن طريقِ التصدي لنَوَازلِ الأمورِ ومُستَحْدَثاتِها التي لا تتوقفُ أبداً بفقهٍ واعٍ متجددٍ بِتَجَدُّدِ السياق.

وعلينا أن ندركَ أنه لا بديلَ عن بناءِ مجتمعِ التنميةِ، والحرياتِ، والمشاركةِ، وتحقيقِ مبادئِ الحكمِ الرشيدِ من ديمقراطيةٍ، وشفافيةٍ، ومساءَلةٍ، وحكمِ القانونِ، والعدالةِ الاجتماعيةِ، وضرورةِ السعي إلى تطويرِ التعليمِ، وبناءِ العقلِ النقدي، والانفتاحِ على التقدمِ، وعلى مُنجزاتِ العلمِ الحديثِ دونَ أن نضحِّي بهُويَّتِنا، الهُوِيَّةِ العربيةِ الإسلاميةِ، التي لم تكنْ يوماً إلا داعمةً للتدينِ، والعلمِ، والاجتهادِ، والخُلُقِ القويم.

وقد حانَ الوقتُ أن ندركَ أيضًا أن وسائطَ التواصلِ عبرَ الشبكاتِ الرقميةِ تُحَوِّلُ عقولَ الأجيالِ الجديدةِ إلى عقولٍ ناقدةٍ واعيةٍ، تدركُ التطوراتِ المذهلةَ في كافةِ مناحي العلمِ والتكنولوجيا.

إن التعاملَ عبرَ وسائطِ الإعلامِ العربية، سواءٌ المرئيُّ أو المسموعُ أو المطبوعُ أو الرقميُّ مع هذه الأجيالِ على أنها لا تمتلكُ عقلًا واعيًا ناقدًا، يؤدي إلى عُزوفِ الشبابِ عن الاستماعِ إلى هذه الوسائطِ، وقد ينتقلون إلى خطابٍ آخرَ متطرفٍ يُدغدغُ المشاعرَ ويَسْلُبُ العقولَ، وعليهِ فإنَّ بناءَ منظومةِ الخطابِ العربي والإعلامي باتتْ على المحكِّ أيضًا، فأينَ البرامجُ الثقافيةُ والعلميةُ،وأينَ العلمُ وتطوراتُه كقضايا مُلِحَّةٍ معاصرةٍ على شاشاتِ التلفازِ العربيةِ، بل أين إلقاءُ الضوءِ حتى على الجهودِ البسيطةِ في مجالاتِ البحثِ العلمي في الدولِ العربية، لكي نُحفزَها ونحفزَ دُوَلَنا ومجتمعاتِنا لكي يتحولَ البحثُ العلميُّ من مجردِ عناوينَ نضعُها إلى فعلٍ نقومُ به؟

رؤية مستقبلية:

إننا أمةٌ في تحولٍ مستمرٍ يتطلبُ ذلك تكوينَ رؤيةٍ مستقبليةٍ، ذاتِ مِصداقيةٍ تمهدُ الطريقَ لمستقبلٍ نحققُ فيه تقدمًا أفضلَ على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وأعتقدُ أنه من الضروري تكوينُ مثلِ هذه الرؤيةِ، كما تناولهَا ريتشارد تيمتوس باقتدارٍ في عبارتِه المقتبَسة:

"دونَ معرفةِ اتجاهِ الرياحِ وتياراتِ المياه، دونَ وجودِ هدفٍ لرحلةِ الحياة، لن يَصمُدَ الرجالُ والمجتمعاتُ طويلاً سواءٌ أخلاقيًا أو اقتصاديًا.."

وانطلاقًا من تلك الرؤية، فمن الضروري أن نفكرَ في طرقٍ جديدةٍ لوضعِ إستراتيجية ثقافيةٍ شاملةٍ لإطارِ العملِ الاجتماعي والثقافي على نحوٍ متكاملٍ. وأن نسعَى إلى إرساءِ مبدأِ التعددية، بحيثُ تسودُ ثقافةُ قَبولِ الآخرِ، وهكذا فإنّ َالسعيَ وراءَ وضعِ بعضِ سياساتٍ واضحةٍ في بعضِ المجالاتِ يُعَدُّ شرطًا واجبًا.

      من المهمِ ألاَّ تصبحَ الثقافاتُ منغلقةً على نفسِها، فلا يقتصرُ التفاعلُ مع المجتمعاتِ الأخرى على التبادلِ التجاري، ولكنْ يجبُ أن يشملَ كذلك تبادلَ الأفكارِ  والأعمالِ الفنيةِ على نحوٍ يُسهِمُ في ترسيخِ الثراءِ الثقافي.

ولأنَّ اللغةَ تُعَدُّ الوسيلةَ الأساسيةَ للاتصالِ، وَجَبَ بذلُ جهودٍ مُضنيةٍ لإحياءِ حركةِ الترجمةِ إلى العربية.على أن تشملَ الترجمةُ-إلى جانبِ ترجمةِ العلوم- الإنتاجَ الفنيَّ الذي يتجسَّدُ في الفنونِ التشكيليةِ والشعرِ والمسرح. فضلاً عن ترجمةِ الأفلامِ السينمائيةِ والبرامجِ التليفزيونية، سواءٌ بالدبلجةِ أو بوضعِها أسفلَ الصورةِ بهدفِ وصولِ تلك المنتجاتِ الثقافيةِ لجمهورٍ أوسع، مما يُفضِي بدورِه إلى تعريضِ الجمهورِ على اتساعِه لنطاقٍ أوسعَ من الأعمالِ والمنتجاتِ الفنيةِ والثقافيةِ التي يَعرِضُها الآخر.

وطالما أن حديثَنا هذا يتصلُ بالتطرفِ والمتطرفين، فإنَّ ثمةَ مقولاتٍ للتطرفِ لافتةً للنظرِ،منها نُفورُ جميعِ الاتجاهاتِ المتطرفةِ تقريبًا من الانفتاحِ على الآخرِ،وميلُهم الدائمُ إلى الانغلاقِ على ذواتِهم وعلى تعريفِهِم الخاصِّ لمفهومِ النقاءِ الذي يتجسَّدُ في أيةِ صورةٍ من صورِ الثقافةِ العِرقيةِ أو الدينية. وهكذا تَدَّعِي الجماعاتُ المتطرفةُ السائدةُ في مجتمعاتِنا صَوْنَ نفسِها من التلوثِ الناجمِ عن البِدَعِ والاتجاهاتِ الأجنبية، كما تهدفُ إلى فرضِ الرقابةِ الصارمةِ والمظاهرِ الشكليةِ للتقوى على المجتمع. وينبني أمامنا استقطاب خطير بين التيار اليميني الجديد في أوروبا والولايات المتحدة، والمغالين منهم، وبين الإسلام والمسلمين ككل، فتلتقي القوى الفاشية الغربية والمتطرفين من "داعش" وأمثالها حول رؤيتِهِم الزائفة  للمجتمعِ النقيِّ مع استبعادِ جميعِ الأقلياتِ المعارضةِ والجماعاتِ المنشَقَّة، ومن ثَمَّ يُعَدُّ تعزيزُ التبادلاتِ الثقافيةِ واحداً من أهمِّ وسائلِ تعزيزِ ثقافةِ التعدديةِ وتأسيسِ مجتمعٍ يَسُودُه مبادئُ الانفتاحِ والتغيير في بلادنا والغرب على السواء.

وكذلك ينبغي تسهيلُ الإجراءاتِ المتعلقةِ برعايةِ الفعالياتِ والمهرجاناتِ الدولية، وخاصةً تلك التي تدعو المواهبَ العالميةَ، بالإضافةِ إلى تشجيعِ تنميةِ المواهبِ ورعايةِ الفنانين عبرَ جميعِ الشرائحِ الثقافيةِ للمجتمعِ،والتي تعدُّ مهمةً ضروريةً ومثمرةً في إطارِ هذه العملية.

إن السياق الحضاري في القرن الحادي والعشرين يقتضي ضرورة بناء خطاب إسلامي يتوافق مع هذا السياق، وهذا لن يتأتى لنا إلا بالدرس والاستعانة بمعطيات العلوم الإنسانية المعاصرة، فعلم الإنسان الإنثروبولوجيا واللسانيات وطرائق النقد الأدبي، كلها أدوات طورت النظرة إلى فهم المجتمعات وتعطينا أبعادا غير مسبوقة لفهم النص القرآني، ومعطيات القيم الإنسانية في الإسلام. 

فهل لنا بعد كل هذا إلا أن نُحدث ثورة في فهم الإسلام، ثورة تعظم من قيمه العليا، فأين نحن من إسلام محمد سيد البشر، الذي أحدث في عصره ثورة هزت أركان العنصرية والطبقية، بل إن هذا لابد وأن يتواكب معه في عصرنا ثورة تعظم من مفهوم حقوق الإنسان، فالإنسان الذي كرمه الله، وجعل له حرمة كبرى، هذا الإنسان إذا عظمت الحضارة المعاصرة من حقوقه، ألا يكون هذا داعما بل ومعظما للقيم العليا التي أقرها ديننا الحنيف.

فلنستشرف المستقبل الأبعد من هذا، نسبح في أفاق معطيات أكثر عمقا حين نؤكد على أن التراث المتراكم عبر القرون لعلماء المسلمين، كان نتاج اجتهادات في سياقات مجتمعية، وسياسية مختلفة عما نعيشه نحن اليوم، ومن ثم علينا ألا نكرر أقوالهم، بل نعكف على استعادة منهجهم، وتدبر أدواتهم في فهم الدين الإسلامي ففي هذا تكريم حقيقي لهم، وعلينا واجب الاجتهاد والتحديث بأدوات العلوم الإنسانية المعاصرة، لكي نخرج الخطاب الإسلامي من أزمته ليكون خطابا معاصرا متوافقا مع معطيات عصرنا يفهمه شبابنا فلا يجدون تفاوتا بين ما هو قديم وبين معطيات العصر.

الحضورُ الكريم:

لقد جئنا إليكم من الإسكندريةِ بلدِ المغاربةِ الثاني ومَحَطِّ تِرحالهِم العلميِّ بأوليائِها الصالحينَ بدءًا من المرسي أبي العباسِ إلى سيدي جابر، وأُسَرِها الكثيرةِ ذاتِ الجذورِ المغربية، ليس بهدفِ المشاركةِ في هذا المؤتمرِ وحَسْب، بل لنكونَ شُركاءَ في صناعةِ المستقبلِ العربي. هنا تَوافَقْنَا مع فضيلةِ الدكتور أحمد العبادي والرابطةِ المحمديةِ على أن نكونَ أحَدَ صُنَّاعِ المستقبلِ العربي، في شَراكةٍ من أجلِ المستقبلِ بعيدةِ المدَى، آَمِلينَ أن نكونَ أنتم ونحنُ بَنَّائِينَ للقيمِ الساميةِ والحوارِ والرأيِ والرأيِ الآخر، مؤسِّسينَ لمناهجَ بحثيةٍ عصرية، شركاءَ لغدٍ أفضل.

والسلامُ عليكم ورحمةُ الله.


Copyright © 2018 Serageldin.com